محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

208

الآداب الشرعية والمنح المرعية

فهل يكون في قطع الرحم أعظم من القتل . قال القاضي وهذه الرواية إن صحت فهي صريحة في معنى لعن يزيد قال الشيخ تقي الدين الدلالة مبنية على استلزام المطلق للمعين انتهى كلامه . وقال في مكان آخر : وقد نقل عن أحمد لعنة أقوام معينين من دعاة أهل البدع ولهذا فرق من فرق من الأصحاب بين لعنة الفاسق بالفعل وبين دعاة أهل الضلال إما بناء على تكفيرهم ، وإما بناء على أن ضررهم أشد ، ومن جوز لعنة المبتدع المكفر معينا فإنه يجوز لعنة الكافر المعين بطريق الأولى ، ومن لم يجوز أن يلعن إلا من ثبت لعنه بالنص فإنه لا يجوز لعنة الكافر المعين فمن لم يجوز إلا لعن المنصوص يرى أن لا يجوز ذلك لا على وجه الانتصار ولا على وجه الجهاد وإقامة الحدود كالهجرة والتعزيز والتحذير . وهذا مقتضى حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه الذي في الصحيح أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا أراد أن يدعو لأحد أو على أحد قنت بعد الركوع وقال فيه : " اللهم العن فلانا وفلانا لأحياء من العرب " " 1 " . حتى نزلت : لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [ سورة آل عمران : الآية 128 ] . قال : وكذلك من لم يلعن المعين من أهل السنة أو من أهل القبلة أو مطلقا ، وأما من جوز لعنة الفاسق المعين على وجه البغض في اللّه عز وجل والبراءة منه والتعزير فقد يجوز ذلك على وجه الانتصار أيضا ، ومن يرجح المنع من لعن المعين فقد يجيب عما فعله النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأحد أجوبة ثلاثة إما بأن ذلك منسوخ كلعن من لعن في القنوت على ما قاله أبو هريرة ، وإما أن ذلك مما دخل في قوله " 2 " : " اللهم إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر ، فأيما مسلم سببته أو لعنته وليس كذلك فاجعل ذلك له صلاة وزكاة ورحمة تقربه بها إليك يوم القيامة " . لكن قد يقال هذا الحديث لا يدل على تحريم اللعنة وإنما يدل على أنه يفعلها باجتهاده بالتعزير فجعل هذا الدعاء دافعا عمن ليس لها بأهل ، وإما أن يقال اللعن من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثابت بالنص فقد يكون اطلع على عاقبة الملعون وقد يقال الأصل مشاركته في الفعل ولو كان لا يلعن إلا من علم أنه من أهل النار لما قال : " إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر ، فأيما مسلم سببته أو شتمته أو لعنته فاجعل ذلك له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة " ؛ فهذا يقتضي أنه كان يخاف أن يكون لعنه بما يحتاج أن يستدرك بما يقابله من الحسنات فإنه معصوم ، والاستدراك بهذا الدعاء يدفع ما يخافه من إصابة دعائه لمن لا يستحقه وإن كان باجتهاد ، إذ هو باجتهاده الشرعي معصوم لأجل التأسي به . وقد يقال نصوص الفعل تدل على الجواز للظالم كما يقتضي ذلك القياس فإن اللعنة هي

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 4560 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 6361 ) ومسلم ( البر والصلة / 2601 ) .